تستعد مدينة قربة من ولاية نابل لاحتضان الدورة الخامسة من مهرجان مسرح المختبرات، من 16 إلى 20 جوان 2026، في دورة جديدة تراهن على سؤال فني وجمالي دقيق: كيف يمكن للمسرح أن يغادر فضاءه الكلاسيكي نحو الفضاءات البديلة، وأن يعيد من خلالها صياغة العلاقة بين الممثل والمكان والجمهور؟تأتي هذه الدورة تحت عنوان “المسرح بالفضاءات البديلة”، في اختيار لا يبدو مجرد انتقال جغرافي من قاعة العرض إلى الساحات والمواقع المفتوحة، بل هو انتقال في الرؤية المسرحية ذاتها. فالمهرجان لا يبحث عن عرض جاهز فحسب، بل عن تجربة حية، وعن مسار إبداعي يجعل من المكان شريكاً في صناعة المعنى، ومن الجمهور طرفاً فاعلاً في التجربة الفنية.ويبرز في هذا السياق الدور المحوري للمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بنابل، التي تمنح هذا المشروع بعده المؤسسي والثقافي، وتؤكد من خلاله أهمية دعم المبادرات المسرحية الجهوية القادرة على تحويل الثقافة من نشاط مناسباتي إلى فعل يومي متجذر في محيطه. فالمهرجان، بما يحمله من رؤية بحثية وتكوينية، يعكس توجهاً نحو ترسيخ اللامركزية الثقافية، وإبراز قدرة الجهات على إنتاج مشاريع فنية ذات عمق فكري وجمالي.كما يحضر مركز الفنون الدرامية والركحية بوصفه أحد الأعمدة الأساسية في إنجاح هذه الدورة، لما يمثله من خبرة مسرحية ومعرفية قادرة على تأطير التجارب الشابة ومرافقتها. فالمركز لا يكتفي بدور المشاركة، بل يساهم في بناء محتوى فني وتكويني يربط بين الممارسة المسرحية والبحث، وبين التجريب والاحتراف، وهو ما يمنح المهرجان قيمة إضافية ويجعله فضاءً حقيقياً لصناعة الممثل الباحث والمخرج المجرب.أما دار الثقافة بقربة، فهي تمثل الحاضنة المحلية لهذا المشروع، والفضاء الذي تنطلق منه الروح الثقافية للمهرجان. ومن خلال احتضانها لمختبر المسرح ومساهمتها في تأطير الطاقات الشابة، تؤكد دار الثقافة دورها كقلب نابض للحراك الثقافي بالمدينة، لا كمجرد فضاء إداري أو قاعة عروض، بل كمؤسسة قريبة من الناس، قادرة على تحويل الشغف المسرحي إلى تجربة جماعية مفتوحة على الجمهور والمحيط.ويراهن مهرجان مسرح المختبرات في دورته الخامسة على تحرير الممثل من حدود الخشبة التقليدية، ودفعه إلى اختبار جسده وصوته وطاقته النفسية داخل فضاءات غير مهيأة أصلاً للعرض المسرحي. وهنا يصبح المكان جزءاً من الأداء، لا خلفية له؛ فالجدار، والساحة، والموقع الأثري، والفضاء المفتوح، كلها تتحول إلى عناصر سينوغرافية حيّة، تفرض على الممثل والمخرج إعادة التفكير في أدواتهما الفنية.وتطرح الدورة إشكالية جوهرية تتعلق بقدرة الركح الموازي على تحرير طاقة الممثل وإعادة تشكيل وعي المتلقي خارج القوالب الكلاسيكية. ومن هذا السؤال تتفرع أسئلة أخرى حول علاقة الجسد بالفضاء، وحدود العفوية والتنظيم، وإمكانية تحويل الجمهور من مشاهد مستهلك إلى عنصر مشارك في العملية الإبداعية.ولا يقتصر المهرجان على تقديم عروض مسرحية، بل يسعى إلى بناء فكر مسرحي جديد من خلال المختبرات البحثية والورشات التكوينية والندوات النقدية. فهذه الدورة تمنح أهمية خاصة للتكوين، عبر مختبرات تتناول الإخراج بالفضاءات البديلة، والخطاب الجسدي للممثل، والسينوغرافيا الرقمية، والصوت وإيقاعية الخطاب. وهي محاور تؤكد أن المسرح، في جوهره، ليس حفظاً للنصوص فقط، بل بحث وتجريب ومساءلة مستمرة.ويحمل المهرجان كذلك بعداً جماهيرياً واضحاً، إذ يسعى إلى تقريب الفن الرابع من المواطن في قربة وولاية نابل، عبر الذهاب بالمسرح إلى أماكن وجود الناس اليومية. وبهذا المعنى، يساهم المشروع في كسر الصورة النخبوية التي قد تلتصق بالمسرح التجريبي، ويفتح الباب أمام تجربة مسرحية أكثر قرباً وحميمية، يتقاسم فيها الفنان والجمهور نفس الفضاء ونفس اللحظة.كما يكتسب المهرجان بعداً تنموياً وثقافياً من خلال إعادة إحياء الفضاءات المنسية وتثمين المواقع التاريخية والطبيعية والعمرانية بمدينة قربة. فالفن هنا لا يكتفي بالفرجة، بل يتحول إلى وسيلة لإعادة اكتشاف المكان، وإضاءة ذاكرته، ومنحه قيمة ثقافية وسياحية جديدة.وتشارك في هذه الدورة عدة مؤسسات ثقافية ومسرحية، من بينها مراكز الفنون الدرامية والركحية بكل من نابل وزغوان وصفاقس، إلى جانب مختبر المسرح بدار الثقافة قربة، والفضاء الثقافي الخاص “المسرح الصغير” بمدنين، والفضاء الثقافي “آرطو” بمدنين. ويعكس هذا الحضور المتعدد رغبة واضحة في بناء جسور تواصل بين الجهات، وتبادل الخبرات، وخلق شبكة مسرحية قادرة على دعم التجارب الشابة وتطويرها.إن الدورة الخامسة من مهرجان مسرح المختبرات بقربة لا تقدم نفسها كمجرد موعد ثقافي عابر، بل كمشروع فني متكامل تقوده مؤسسات تؤمن بأن المسرح يمكن أن يكون وسيلة للتكوين، والتفكير، والتنمية، وإعادة الحياة إلى الفضاء العام. وبين دعم المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بنابل، وخبرة مركز الفنون الدرامية والركحية، وحيوية دار الثقافة بقربة، تتشكل ملامح دورة تراهن على المسرح بوصفه مختبراً مفتوحاً للإنسان والمكان والخيال.هكذا يؤكد مهرجان مسرح المختبرات أن المسرح لا يبدأ دائماً من الخشبة، بل قد يبدأ من شارع، أو ساحة، أو ذاكرة مكان، أو جسد ممثل يختبر حدود الممكن. وحين يتحرر المسرح من فضائه الكلاسيكي، فإنه لا يغيّر مكان العرض فقط، بل يفتح أمام الفن والجمهور أسئلة جديدة حول معنى الفرجة، ومعنى المشاركة، ومعنى أن يكون المسرح جزءاً من الحياة اليومية للناس.







