وطنية

ايام قرطاج الكوريغرافية…الرقص مرآة للذات والذاكرة… والوطن

لا يرقص الجسد عبثا بل تحركه فلسفة فنية وخلفية ثقافية واجتماعية وسياسية …  فالرقص هو مرآة للمجتمع وانعكاس للواقع وفضاء لذاكرة الفرد والمجموعة والوطن.  وقد تعددت الجنسيات والأعراق وتنوّعت اللغات والرقصات على أركاح أيام قرطاج الكوريغرافية  دون محو لذاتية الفنان، ودون انفصال عن السياقات الراهنة  في شتى البلدان.

 هذه الذات الفنان التي تروي جزءا من سيرتها الذاتية في اختيار الرقص مهنة وعشقا أو التي طوّعت جسدها الراقص لنقل معاناة شعوبها وهواجس شبابها، قد  تجلّت بوضوح في العروض الثلاثة:”سولو ” من فلسين و”تريو” من مصر” و”حديث إلى أمي” من بوركينا فاسو”.

في عرضها “سولو” رقصت الفلسطينية رمز صيام  بمفردها  على الركح  لتنقل بعضا من مقاومة القدس للاحتلال في صباحها ومسائها وفي كل الفصول على امتداد قرون دون يأس ودون استسلام . على امتداد حوالي 20 دقيقة ، استطاعت  رمز صيام أن تبلغ الرسالة بمنتهى البساطة  والإقناع وهي ترقص في مواجهة صنم  في إحالة على عديد القراءات والتأويلات. وقد وظفت الراقصة الشابة  تقنيات الباليه والرقص المعاصر والرقص التعبيري لنقل لوحة  ن معارك فلسطين الشجاعة في وجه الكيان الصهيوني.  وقد حضر الحجر بكل ما يحمله من رمزية عند الفلسطينيين  ليصبح جزءا من سينوغرافيا العرض مثلما  هو سلاح الشعب الأعزل  الآن وهنا.

في “باب بحر”  رقص الثلاثي  المصري  زياد مدحت و مهند عزام و زياد ولاس في عرض “ثلاثي” بكل بخطوات  الانتفاضة والتمرد في إثارة لفضول المارة الذين تجمعوا بأعداد كبيرة لمشاهدة هذا العرض الراقص في الشارع.  كانت لكل واحد من الراقصين حكايته  الخاصة التي  يريد أن يرويها على طريقته لكن الجامع بين  الحكايات الثلاث والراقصين الثلاثة هو الرفض، رفض الأعراف والتقاليد، رفض التكرار والروتين… في رقصات عبّرت عن أفكارهم المتمردة على الواقع والحالمة بالتغيير، بدت الأجساد وكأنها بدورها تخاف رفض الآخر لرفضها للاختلاف.  فهل تكون المواجهة هي الحل ؟ أم أن الهروب أفضل؟  ولكن لابد من المقاومة !

من بوركينا فاسو قدّم  الكوريغرافي  أقيبو بوقوبالي سانو  عرض “حديث إلى أمي” في أجواء من المرح والطرافة. على إيقاعات موسيقى بوركينا فاسو التقليدية ومن مطبخه الصغير شارك الفنان الجمهور ذكريات طفولته ومراهقته، وسرد لحظات عائلية ثمينة وحميمية.

بنبرة حنين تحملها نكهات التوابل المنبعثة من الأواني،  قدّم الفنان تحية تكريم إلى والدته باعتبارها  رمزا للمشاركة  والحكمة  والحب غير المشروط  والحنان  واللطف  والقوة … هي  المرأة  العظيمة التي علمته المساواة بين الرجل والمرأة  في المطبخ  والمجتمع والحياة. في عمق الذاتي،  غاص هذا الفنان العالمي ليقدم عرضا مدهشا وجد فيه كل فرد من الجمهور بعضا من ذكرياته أو قصته رغم اختلاف اللغات والبيئات. إنها لغة الجسد التي لا تحتاج إلى جواز سفر في الرقص على إيقاع الأحلام والجمال من بلاد إلى بلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى